الشيخ محمد رشيد رضا

8

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بذكر الاعراب من المنافقين لمناسبة ما قبله وفصل عنه لأنه سياق جديد مع ما بعده : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بيان مستأنف لحال سكان البادية من المنافقين ، لأنه مما يسئل عنه بعد ما تقدم في منافقي الحضر من سكان المدينة وغيرها من القرى . فالأعراب اسم جنس لبدو العرب ، واحده أعرابي ، والأنثى اعرابية ، والجمع اعاريب والعرب اسم جنس لهذا الجيل الذي ينطق بهذه اللغة ، بدوه وحضره واحده عربي . وقد وصف الاعراب بأمرين اقتضتهما طبيعة البداوة [ الأول ] أن كفارهم ومنافقيهم أشد كفرا ونفاقا من أمثالهم من أهل الحضر - ولا سيما الذين يقيمون في المدينة المنورة نفسها - لأنهم أغلظ طباعا ، وأقسى قلوبا ، وأقل ذوقا وآدابا ، - كدأب أمثالهم من بدو سائر الأمم - بما يقضون جل أعمارهم في رعي الانعام وحمايتها من ضواري الوحوش . ومن تعدي أمثالهم عليها وعلى نسائهم وذراريهم ، فهم محرومون من وسائل العلوم الكسبية ، والآداب الاجتماعية [ الثاني ] انهم أجدر اي أحق وأخلق من أهل الحضر بأن لا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله من البينات والهدى في كتابه ، وما آتاه من الحكمة التي بين بها تلك الحدود بسنن أقواله وأفعاله . وفهم ألفاظ القرآن اللغوية ، لا يكفي في علم حدوده العملية . كان أهل المدينة وما حولها من القرى يتلقون عنه ( ص ) كل ما ينزل من القرآن وقت نزوله ، ويشهدون سنته في العمل به ، وكان يرسل العمال إلى البلاد المفتوحة يقيمون فيها يبلغون القرآن ، ويحكمون بين الناس به وبالسنة المبينة له ، فيعرف أهلها تلك الحدود التي حدها اللّه تعالى ونهاهم ان يعتدوها . ولم يكن هذا كله ميسورا لأهل البوادي ، وهم مأمورون بالهجرة ، لأجل العلم والنصرة ، لأن الاسلام دين علم وحضارة فالاعراب أجدر بالجهل من الحضر بطبيعة البداوة لا بضعف أفهامهم ، أو بلادة أذهانهم ، أو ضيق نطاق بيانهم ، فقد كانوا مضرب الأمثال في قوة الجنان ، ولوذعية الأذهان ، وذرابة اللسان ، وسعة بيداء البيان ، وعنهم أخذ رواة العربية أكثر مفردات العربية وأساليبها والجدارة بالشيء قد تكون طبعية ، وقد تكون بأسباب كسبية ، من فنبة